العرب و التسلسل الهرمي
Bookmark and Share

العرب والتسلسل الهرمي 

ذهبت في إحدى الأيام إلى عيادة طبيب الأسنان لإقتلاع واحد من أضراس العقل في فكي العُلوي. إستأذنني الطبيب قبل بدء العملية أن يحضرالعملية أربعة من طلابه في كلية طب الأسنان الذين كانوا ينتظرون في غرفة الإنتظار. رحبت بالفكرة ثم إنضم إلينا الطلاب الأربعة الذين وقفوا أمامي عندما بدأت العملية.
أعطاني الطبيب المُخدر ثم بدأ بتوسعة الجيب الحاضن للضرس بواسطة الأدوات الخاصة وحاول اقتلاع الضرس فلم يفلح، فالأمربدى أصعب من ذلك مما أجبره أن يوسع اللثة أكثرللوصل الى الضرس بشكل جيد. تمكن الطبيب من إستئصال الضرس بعد تكسيره لأجزاء ثم ضمد الجرح بواسطة الخياطة. لايوجد كلمات يمكنني أن أصف بها الألم الذي شعرت به أثناء تلك العملية الغيرعادية التي استغرقت حوالي الأربعين دقيقة.
 
بعد مضي أربع سنوات تقريباً إنتقلت الى مدينة أخرى. واضررت في أحد الأيام لمراجعة طبيب أسنان محلي. رحب بي الطبيب بحرارة في عيادته في الموعد الأول وقال أنه يعرفني. ثم أضاف قائلاً أنه كان واحداً من الطلاب الأربعة الذين حضرواعملية قلع الضرس قبيل تخرجه منذ عدة سنوات. يالها من صدفة أن نجتمع مرة ثانية. ثم أضاف معترفاً لي أن خطاً ما قد حصل أثناء العملية. إن طبيبي السابق قد استعمل الأداة الطبية بشكل خاطىء أثناء عملية إقتلاع الضرس لذلك كانت العملية معقدة ومؤلمة. إن إفشاء الطبيب عن الخطأ الذي حصل كان أشد إلآماً عليٌ من الألم الذي ممرت به سابقاً وقلت له ساخراً "أداة بشكل خاطىء أُستعملت أمام أربعة أطباء على وشك التخرج ولم يستطع أحد منكم ان يتدخل ليصحح الخطأ ويوقف الألم". أجاب الطبيب معتذراً "أن الموقف كان محرجاُ للغاية أن نقول لمدرسنا في الجامعة أنه كان على خطأ........"
 
قد يبدوهذا الحدث صغيراً لكن له دلالات كبيرة. إن الناس في المجتمعات الناطقة بالعربية لديها الكثيرمن الإحترام للأشخاص في السُلم الهرمي. هذا الإحترام سواء كان حقيقياً أومُزيفاً قد يصل إلى درجة الخوف. يربى الإنسان في هذه المجتمعات على أن يسمع ويطيع ويتبع الأوامر وأن يلتزم بالقيم التقليدية الإجتماعية منها والدينية. يخشى الناس من التدخل أو الإعتراض على أولئك يرتكبون الأخطاء أو الذين يتسببون في أذى الآخرين أو ينتهكون حقوق الأنسان. وإن أي نوع من النقض أو المُسائلة قد يعتبربمثابة الخطيئة.
 
إن طريقة الحياة هذه ليس من شأنها فقط أن تتسبب في تقويض قدرات الناس وتطلعاتها ولكنها أيضا تهدد وتؤذي حياتهم كأفراد ومجتمعات على حد سواء. ومن المؤلم أيضاً، أنه عندما يتخلص الناس من خوفهم ويتحولون من تجمع صامت الى أُناس تعبِرعن نفسها نرى أنه تنتشر الفوضى أو تندلع حرب أهلية مروعة وهذا مرده إلى وجود الإستبداد والإحتكار والحماية والمحسوبية والتحيًز وعدم المساواة والظلم وإنتهاك حقوق الإنسان وغير ذلك في هذه المجتمعات بنسب متفاوته من مجتمع لآخر.
 
مراراً وتكراراً، إننا نحن شعوب اللغة العربية عرب وغيرعرب لن تنتهي آلامنا ونكساتنا وهزائمنا المستمرة ولن نحتل مكانناً بين الشعوب الأخرى في العالم أو نكسب إحترامها ما لم نتغير. والتغييرلايعني بالضرورة أن يؤدي إلى الفوضى والخراب والدماروالقتل والتشريد والترهيب والإنتقام وإنتهاك حقوق الإنسان. فلقد تغيرالإتحاد السوفيتي رأساً على عقب عام 1991 من خلال تطبيق إصلاحات جذرية خلال ست سنوات وكانت نهاية سلمِية لفترة طويلة لم تكن سهلة في تاريخ العالم.
 
آن الأوان لأن نعزز ونقدِس حقوق الإنسان. آن الأوان لأن نعيد النظرفي أنظمتنا الدراسية لنتمكن من أن نربي أطفالاً ورجالاً ونساءً أحرار. آن الأوان لأن نفكربأهمية دورالبرلمان وكيف يمكننا أن نعمل لننتج برلمانيين عظماء. آن الأوان لأن نطور دساتيرنا القديمة لتواكب متطلبات العصرالحديث. آن الأوان لأن نتخلص من عقدة " أنا على صواب وأنت على خطأ "
آن الأوان أن ندرك أنه لايمكننا أن نُسلم أطفالنا وأجيالنا القادمة الى من لايمكن مسائلته سواءً كان طبيب أسنان أو أي كائناً من يكون..........
 
بسام عليوي.

 37% - # - 25
أضف تعليقك
الأسم
البريد الإليكتروني
عنوان التعليق
التعليق
   
تعليقات الزوار