الأخلاق نهضة الأمة
Bookmark and Share

الأخلاق نهضة الأمة

    ... إذن، في وسعنا القول إن السر في نهضة الأمم وتقدمها يكمن في وعيها الجمعي الذي يجمعها على هدف واحد ينبع من هوية مشتركة. قد يكون هذا الوعي الذي يجمع الأمم سبباً في تقدمها أو في تفتيتها، وقد يكون سبباً للنهوض أو للاستسلام حيال محنة أو هزيمة. ولصناعة الوعي الجمعي للأمم نحتاج إلى الاتفاق على هوية ومبادئ تجمع البشر وإلى هدف يوحد مسارهم. فالجغرافيا والمجاورة في السكن والإقامة والمكان عوامل لازمة إلا أنها غير كافية بذاتها لبناء وعي جماعي، حيث يمكن أن تسكن قبائل متناحرة في منطقة بعينها ولكل منها هوية مختلفة وهدف مختلف لأن مكانها واحد وأهدافها شتى. وإذا ما أخذنا هذا الافتراض وطبقناه على نهضة العالم العربي، نجد أن دين العرب اشتمل على مجموعة من المبادئ والأخلاق التي جمعت الشرق حولها. ومع انتشار اللغة العربية باتت الهوية جامعة لشعوب شتى؛ حتى من غير الناطقين بلسان العرب إذ أصبحت بوتقة جامعة مانعة جمعت شعوب الشرق على مبادئ مشتركة وفكر متناغم، وحاك نسيجها الفسيفسائي أناس ينتمون إلى أعراق متنوعة ولغاتهم متعددة فمنها الفارسية والتركية والملايو والآردية وغيرها. وأصبحت الثقة تعاضد شعوب الشرق في قدرتها على صنع غد أفضل على مختلف الصعد المادية والروحية والعقلية، وانتشر العلم وازدهرت الصناعة.

       وإذا ما حاولنا تطبيق الافتراض ذاته على شعوب الغرب في أوروبا وأمريكا، نجد أن حالة النهضة كانت مصحوبة بشعور بهوية مشتركة (يونانية رومانية مسيحية) تجمع الأوروبيين إزاء العالم، وشعور بالقدرة والقوة مستمد أصلاً من الانتصارات المتسارعة على الشعوب الأصلية في قارتي أمريكا واستراليا. وتطورت هذه الثقة مصحوبة بالقدرة المادية وصولاً إلى عصر الاستعمار، وتطورت الثقة المفرطة والشعور بالهوية المتفردة متحولة إلى حالة مرضية تمظهرت في أوج تجلياتها في النازية والفاشية بكل ما تعنيانه من عنصرية واضطهاد للأجناس الأخرى.

     إذن، لايكفي لكي ننهض أن نتوفر على دستور أو قانون أو ديمقراطية شكلية فقط، لا بل ينبغي أن يتقدم كل ذلك ويواكبه وعي جمعي يصقل الناس، ويجعلهم حريصين على تفعيل مبدأ سيادة القانون وتطبيق مبادئه ومقتضياته وصولاً إلى النهضة الشاملة بكافة عناصرها ومقوماتها المادية والفكرية والروحية.

وفي الشرق، ينبغي أن تكون هوية الوعي وصبغة النهوض عربيتين، بيد أن هذا وحده لا يكفي أيضاً، إذ لا بد له من أن ينبني على أخلاقيات تضمن المحافظة على تجانس هذه الهوية، بل إن الأخلاق ينبغي أن تكون المحور الأصيل لهذا الوعي الجمعي. فالمبادئ التي من ضمنها التعاليم السامية: لا تقتل! لا تكذب! لا تغش! لا تسرق! هي مبادئ تحافظ على أي كيان إنساني وتحميه من الضياع. لكن إذا ما تزودت هذه المبادئ بروح إيجابية، يصبح الحرص على الصدق والأمانة وإتقان العمل مكوناً محورياً من مكونات الهوية والثقافة. هنا تكون صناعة الهوية لا مجرد حمايتها، وهنا تتحول الهوية الجامعة والوعي الجمعي إلى شرف رفيع وتتحول المجموعة الإنسانية، المؤمنة بوجوب وجود وعي جمعي متمحور حول تحقيق أهداف سامية، إلى جسد واحد.

وعند بلوغ هذه المرحلة، يصبح لدى كل عضو من أعضاء هذه الجماعة من الكرامة والنزاهة ما يحول بينه وبين أن يأتي الدنيّة أو أن تشوب سلوكه شائبة من مفاسد الأخلاق. فيصبح الكذب عيباً، والغش إهانة لا يرتضيها عضو منتسب إلى جماعة هذه حالها. أما الجماعة المتفككة فيتوسل كل فرد فيها الانتهازية التي تبيح له فعل أي شيء وكل شيء في سبيل تحقيق مصلحة عابرة أو مكسب ضئيل. فإذا به يكذب أو يسرق أو يغش أو يخون مقابل حصوله على أشياء تافهة أو حتى من دون مقابل، فيتحول الكذب والغش إلى عادة وإلى مرض يشل الإرادة ولا يستطيع الشفاء منه. وتصبح خيانة الوطن ضرورة للتكسب والارتزاق تقتضيها ضرورة البقاء.

أخيراً، إذا ما أردنا تحقيق النهضة الأخلاقية للشرق، يتعين علينا العمل على إعادة بناء المؤسسات الأربع: التعليم والإعلام والمؤسسات الأهلية والحكومة الرشيدة، على أن يكون المنبع هوية الحضارة وروحها، وعلى أن تكون الوجهة ميممة شطر نهضة الشرق، وعلى أن تكون الأخلاق هي التطبيق العملي والواقعي في الحياة اليومية لكل من يعيش هذا المشروع.

وائل الحسن

 0% - # - 0
أضف تعليقك
الأسم
البريد الإليكتروني
عنوان التعليق
التعليق
   
تعليقات الزوار