قطار الذكريات
Bookmark and Share

قطار الذكريات

بقلم أحمد محمد خير علي

كان الجو رطباً والسماء صافية زرقتها شفافة نقية توشحا الشمس بلمعة ذهبية براقة والهواء يحمل بوادر الخريف بنسيمة المنعش العليل

كان يجلس على الشرفة متكئا على طرف المقعد المريح يهزه برفق يدفعه  بقدميه المستندتين على طرف الحوض الرخامي الأبيض الموشى بخطوط سوداء متعرجة

كانت نظراته تعدوا خلف زبد البحر ووراء أرتال الامواج اللانهائية ، تسافر مع زرقة البحر، لتلتقي بالآفق الحامل لبعض الغيوم البيضاء النقية السابحة اعلى صفحة الماء، تنطلق الذكريات وتجول مع الشاطئ اللازورد وأظنها قطار الأيام. يسير على أطياف قوس قزح يقوده بابا نويل ويصبغ عرباته بألوانه الزاهيةٍ

ينظر في أول عربة من قطار الذكريات ... فيراها طفلة بردائها المدرسي وباقة بيضاء، تلف ذلك العنق الرقيق تحمل حب الطفولة ، الحلوى وقصي السكر. لها عينان خضراوان كأوراق الدوالي ووجه صغير وغمازة في ركن خدها الوردي ، ضحكتها كقطة أليفة ولقائها الفرح وبهجة العيد

إنه من حي فقير وهي ابنة الحي الغني ولكن من أين للطفولة أن تعرف الفوارق. كان يلقاها في كل عيد عند طرف الشارع الذي يفصل الحبيبين

وفي ساحة العيد يحتويها كل النهار بحنان وعطف يركبان المراجيح ويذهبان لحديقة السبكي يلعبان في الأراجيح وبين اشجارها ويتفرجان على البطات السابحة في البحيرة الكبيرة المقوسة، وفي المساء يترك يدها أمام البناء العالي الذي تقطنه مودعاً ليشبكها في الصباح

يقفز الزمن عدة خطوات ويكبران معاً كانت كعود زنبق تتفتح براعمه في روابي حبة ووجده يقضي النهار أمام مدرستها وتكفيه طلة صغيرة بين الدروس أو تلويحه كف من النافذة، وعند انتهاء الدوام يرافقها للمنزل

وبين الحواري وفي الشوارع الخلفية لحيها تغمره ابتسامتها وتتمنى الاصابع ألا تفترق وعندما تقترب من المنزل يلاحقها بنظراته وقلبه لتنزوي في مدخل البناء

وفي إحدى الإيام و بعد أن ضجت الانوثة في حنايا الجسد الغض والوجه، تغيرت معالمه وألوانه أصبحت أكثر نقاوة الشفاه قانية، أصبح حلمها أكبر منه وعيناها الخضراوتان تشردان متابعتا ذلك الشاب صاحب السيارة الفارهة المزمجرة. بدأت نفسها تهفوا لما لا يستطع الحصول عليه والأحلام لم تعد واحدة وهو لايزال طالب ثانوي عندها بدأت الفوارق تطفوا للوجود. انسحب بهدوء وتجرع البعد بكأس من الصمت والوحدة. لم ينجح ذلك العام ولكنه تعلم درساً لن ينساه ابداً

تطل من نوافذ العربات وجوه لفتيات عبرت حياته كمحطات سريعة وكن كزهرات منفتحة ارتمت في طريقه، وكان كنحلة برية يهوى الشذى وشم العبير طائراً من زهرة لم يعد قلبه يعرف الحب والنبضات استكانت على صورة تلك الصغيرة الراسخة في الاعماق وهي تحمل ألماً مقهوراً وغدراً لن يمحى. في العربة الاخيرة كانت هناك سمراء جميلة فيها عبق الصحراء ورائحة القهوة العربية ،عيونها سوداء كالليالي الشتاء القاتمة تحمل طيبة الشرق ونسائم الزعفران ، اعتقدها وردة جديدة وغيمة عابرة ستطرح جدائل امطارها وسرعان ما تخبوا بريقها ورعودها، لكنها تسللت إلى قلبه حاملة الدواء لجرحه الدفين، وأعادت للقلب صفاءه بإصرارها وحبها أنسته الألم بعشقها وعطائها انسته الغدر بإخلاصها . احتوته لسنوات طويلة بكل نزواته وجنونه وكانت صومعته همومه وملجأه الآمين

عندما بدأ خدمته العسكرية وكانت سنوات من الاغتراب في انحاء الوطن اغترابه عنها وعن دمشق التي هي لم يفارقها في حياته، وحنينه الى ساحاته وشوارعها لطرق الصالحية وحديقة السبكي والجاحظ ، لجلسة هادئة في مطعم الرصيف وفطور في مطعم المروش ،إذا أتت الاجازة يهرع اليها ليذوب في عيناها وهي تتغلغل في حناياه كتغلغل قطرات الندى بين عروق الياسمين

يأخذها ويتسكعان في طيات دمشق في الشعلان وشارع أبي رمانة وينزويان في الملتقى ويتحدثان على ضوء الشموع في الحب والاطفال وبيت المستقبل يتجولان في المحلات لاختيار الأثاث المناسب للمنزل المرتقب ، اليد باليد والكتفان متلاصقان والضحكة تنبع من الصميم

انهى الخدمة الالزامية وواجبه الوطني وعاد لدمشق الحياة والحب.
تقدم لخطبتها لكنه اصطدم بعدم موافقة الآهل وعاد القدر لمعاندته وكأنه العدو التربص بسعادته شارعاً سيفه في وجهه.
كانت تقف الى جانبه واعاد الكرة مرات ومرات لكن المجابهة أصبحت مستحيلة وخصوصاً بأنها ستكون هي الضحية والخاسرة بين الاطراف

كان بينه وبين نفسه يتساءل لماذا ؟

ومن في هذا العالم بلا أخطاء؟

لكنهما لم يفلحا بتغير الاقدار المرسومة كنقش على جبين الأيام

تزوجت أمام عينيه وكان العقد على بعد بضع خطوات منه. أراد ان يرتكب حماقة ويدمر الجميع حتى نفسه، وقف رفاقه بينه وبين ما يريد أن يفعله،  ودعها بدموع متجمدة في مقلتيه والحافلة تقلها مزفوفة الى بيتها الجديد

الشمس قد مالت الى المغيب أحس بذراعين يطوقان عنقه أختفى قطار الذكريات، دخل سحابة وبقى قوس القزح راسماً ألوانه على الذراعين المحيطين به، رفع كفيه ووضعهما على الكتفين الحنونين الملامسين لصدره وضمهما الى شفتيه، إنهما زراعان الزوجة التي كانت نصيبه في هذه الحياة،  بعد أن قضت امداً في جمع اشلائه المتناثرة بين كؤوس الخمرة وعلى الطاولات الخضراء. رممت جدران قلبه الدامي وأعادت بناء حياته لبنة لبنة وكانت رحيق الوجد لروحه العطش كأن القدر جعل من مآسيه درباً للوصول إليها


أضف تعليقك
الأسم
البريد الإليكتروني
عنوان التعليق
التعليق
   
تعليقات الزوار